■ بيروت _ أحمد موسى
لم يكن إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعليق الضربة العسكرية ضد إيران مجرد تطور عسكري عابر، بل شكّل مؤشراً إلى انتقال الصراع من حافة المواجهة المفتوحة إلى مرحلة إعادة رسم قواعد الاشتباك عبر التفاوض والضغوط المتبادلة. وفي قلب هذا المشهد، يجد لبنان نفسه مجدداً أمام اختبار معقد، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع التوازنات الإقليمية، بينما يبقى الجنوب ساحة مفتوحة على احتمالات التصعيد أو التسوية، وفقاً لما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية – الإيرانية والضغوط الإسرائيلية.
تعليق الضربة… فرصة مؤقتة أم إعادة تموضع؟
ترى مصادر سياسية ودبلوماسية أن قرار واشنطن تعليق الهجوم على إيران لا يعكس تراجعاً عن خيار القوة، بل يمثل انتقالاً إلى مرحلة “الضغط السياسي المدعوم بالردع العسكري”. فالولايات المتحدة أبقت كل الخيارات مفتوحة، لكنها منحت الوساطات الإقليمية فرصة أخيرة لبلورة تفاهمات تمنع انفجار المنطقة.
وفي المقابل، جاء تشدد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تجاه إيران ليؤكد أن السياسة الأميركية لم تتغير، وأن تعليق الضربة لا يعني إسقاط شروط واشنطن المتعلقة بالبرنامج النووي أو النفوذ الإيراني في المنطقة.
لبنان يحاول استثمار اللحظة… لكن القرار ليس في بيروت
وسط هذا المشهد، يسعى لبنان إلى استغلال نافذة التهدئة لإعادة طرح الملف الجنوبي من زاوية مختلفة، عبر اتصالات عربية ودولية تهدف إلى تثبيت دور الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الوحيدة القادرة على إدارة الأمن جنوباً، مقابل الحصول على ضمانات سياسية وعسكرية ولوجستية تسمح له بتنفيذ هذه المهمة.
لكن مصادر متابعة تعتبر أن هامش الحركة اللبناني يبقى محدوداً، لأن أي تفاهم أمني في الجنوب لا يرتبط بالقرار اللبناني وحده، بل يتأثر مباشرة بمسار التفاوض الأميركي مع إيران، وبالموقف الإسرائيلي من مستقبل الحدود الجنوبية.
مفاوضات روما… تفاوض على الأمن أم على مستقبل الجنوب؟
تكتسب مفاوضات روما أهمية تتجاوز الملفات التقنية والقانونية، إذ تشير المعطيات إلى أن الطاولة ستشهد بحثاً في ملفات الحدود والترتيبات الأمنية، بالتوازي مع نقاش اقتصادي حول إعادة إعمار الجنوب وآليات الدعم الدولي.
ويشارك المستشار القانوني لرئيس الجمهورية أنطوان صفير ضمن الوفد اللبناني لمتابعة الجوانب القانونية المتعلقة بالحدود والترسيم، فيما يتولى وفد اقتصادي استشاري إجراء محادثات منفصلة بشأن إعادة الإعمار، في مؤشر إلى محاولة الفصل بين المسارات السياسية والأمنية والاقتصادية.
الخيام وبنت جبيل… اختبار للنوايا الإسرائيلية
أبرز ما يجري تداوله داخل الأوساط السياسية يتمثل في طرح تحويل الخيام أو بنت جبيل إلى منطقة نموذجية ثانية لانتشار الجيش اللبناني، بعد التجارب السابقة في مناطق أخرى.
وتؤكد مصادر مطلعة أن المؤسسة العسكرية تمتلك الجهوزية الكاملة للانتشار وتنفيذ أي مهمة توكل إليها، إلا أن نجاح هذا الطرح لا يتوقف على الجاهزية اللبنانية، بل على استعداد العدو الإسرائيلي للموافقة على توسيع نطاق انتشار الجيش والتراجع عن عملياتها العسكرية.
وتشير المعلومات إلى أن تل أبيب لا تزال تنظر بحذر إلى أي ترتيبات جديدة، معتبرة أن أي انتشار للجيش يجب أن يسبقه تغيير جذري في الواقع الأمني المرتبط بسلاح “حزب الله”.
العقدة الحقيقية… السلاح أم القرار الإيراني؟
تكشف القراءة السياسية أن جوهر الأزمة لم يعد مرتبطاً بانتشار الجيش أو بمواقع القوات الدولية، بل بالسؤال الأساسي: من يملك قرار إنهاء المواجهة في الجنوب؟.
فإسرائيل تربط أي انسحاب أو تخفيف لعملياتها العسكرية بضمانات تؤدي إلى إنهاء وجود السلاح خارج سلطة الدولة، فيما يتمسك “حزب الله” بموقفه القائم على رفض أي بحث في هذا الملف قبل اتضاح صورة المفاوضات الإقليمية، وخصوصاً العلاقة بين واشنطن وطهران.
وبحسب مصادر متابعة، فإن القرار النهائي في هذا الملف لا يزال مرتبطاً إلى حد كبير بالموقف الإيراني، الذي يعتبر ورقة الجنوب جزءاً من منظومة التفاوض الإقليمي، وليس ملفاً لبنانياً منفصلاً.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
المؤشرات الحالية توحي بأن المنطقة دخلت مرحلة “إدارة الصراع” لا حله. فتعليق الضربة الأميركية منح الجميع وقتاً إضافياً، لكنه لم يلغِ أسباب المواجهة.
وفي حال نجحت المفاوضات الأميركية – الإيرانية، قد ينعكس ذلك انفراجاً تدريجياً على الجبهة الجنوبية، يسمح بتوسيع انتشار الجيش وإطلاق مشاريع إعادة الإعمار.
أما إذا تعثرت المفاوضات، فإن الجنوب سيبقى ساحة ضغط متبادل، وقد تعود العمليات العسكرية بوتيرة أعلى، لتصبح كل التفاهمات المطروحة في روما مجرد أوراق تفاوض مؤجلة.
لبنان أبرز أوراق التفاوض في الصراع الإقليمي
تكشف التطورات أن الجنوب اللبناني لم يعد ملفاً حدودياً فحسب، بل تحول إلى إحدى أبرز أوراق التفاوض في الصراع الإقليمي. فبين الشروط الأمنية الإسرائيلية، والحسابات الإيرانية، والمساعي الأميركية لإعادة رسم موازين القوى، تبدو الدولة اللبنانية أمام هامش مناورة ضيق. وبينما يملك الجيش اللبناني القدرة على الانتشار، يبقى القرار السياسي والأمني معلقاً على تفاهمات تتجاوز بيروت، ما يجعل مفاوضات روما اختباراً جديداً لقدرة الدبلوماسية على كسر حلقة الجمود، أو تكريس واقع يبقي الجنوب رهينة التوازنات الإقليمية لمرحلة قد تطول.
